الشيخ محمد الصادقي

349

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

إصلاح له وللمجتمع الذي يعيشه . فالنفي من الأرض الجريمة إلى مكان ناءٍ يحس فيه المجرم بالغربة والتشرد والضعف جزاءَ ما شرَّد وخوَّف وطغى ، حيث يصبح في منفاه عاجزاً عن مزاولة جريمته بضعف عصبيته ، أو بعزلة عن عصابته . فقد يعم نفيه من الأرض كل هذه الثلاث كلًّا حسب الجريمة ونحوها دون فوضى جزاف ، والقصد من النفي من بلد الجريمة والسجن هو تأديبه وصدُّ أذاه حتى يتوب ، فقد يختص النفي في هذين الأخيرين بما يرجى تأدُّبه وتوبته ، وذلك في غير القاتل والسارق المسلح والمبتدع والمضلل ، فإنهم لا توبة لهم إلَّا قبل أن تقدروا عليهم . والغرق في النفي الأول هو بديل القتل والصلب ، ثم النفي الثاني والحبس بديلان عن تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف ، وأما الضرب فلا دور له في هذه الجرائِم فللتعزير موارد منصوصة دون فوضى جزاف . واللائح من نصوص النفي أنه لهدف التوبة ، حيث رجاء التأدب والإصلاح باق ، وليست الجريمة مما تحتم إحدى العقوبات الثلاث . فللحد بُعدان ، بعد الانتقام ورجاء التوبة ، وهما منفيان في الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ، إلَّا في حقوق الناس الثابتة بالنص ، فمن لم يقتل أو يسرق ، لم يثبت عليه حد إن تاب قبل القدرة ، ثم وبعدها قد ينتقل حده إلى النفي رجاءَ التوبة ، والمبتدع والمضلِّل الداعية إلى الباطل ، والساعي في الأرض فساداً ، إن تابوا وأصلحوا قد لا يجري عليهم الحد أو يكتفى فيهم بالنفي بغير غرق ، لا سيما الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ، بل ولا نفي هنا كما ينفى عنه سائر الحد . « ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا » كما أخزوا الدين والدينين « وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ » مما يدل على أن عقوبة الدنيا لا تكفي عن الآخرة ، وإنما تخفف عنها وتؤدبهم وتصد عن الجماعة المؤمنة أذاهم ، اللَّهم إلَّا بدليل قاطع كما في قسم من الحدود المصحوبة بالتوبة . « إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » أترى الاستثناء يختص بالجملة الأخيرة وهي عظيم العذاب في الآخرة وعذاب الدنيا